Saturday March 25, 2017
الرئيسة مقالات الاستفتاء،،غلطة تاريخية أم تكتيك سياسي؟! بقلم: د. دلال عريقات
PDF
طباعة
إرسال إلى صديق
27
ي
الاستفتاء،،غلطة تاريخية أم تكتيك سياسي؟! بقلم: د. دلال عريقات
الناشر: Samya wazwaz
Share

EU

27-2-2016- انشغل العالم في اليومين السابقين بالحديث أو محاولة تحليل ما حدث في المملكة المتحدة. نعم لقد توجه ٣٠ مليون مواطن بريطاني اي ٧٢٪‏ من مجموع المواطنين المدرجين في السجلات الانتخابية للتصويت على بقاء أو خروج بلادهم من الإتحاد الأوروبي. بعد ٤٣ عاما من العضوية قرر ٥٢٪‏ من الناخبين أن مصلحة بلادهم خارج الإتحاد الأوروبي.الاستفتاء قد يصبح غير ملزم في المملكة المتحدة ولكن احترام الرأي العام ملزم. فقد ارتأى الشعب بغالبية بسيطة مستقبل بريطانيا خارج هذا الإطار وأطلقوا على يوم ٢٤ حزيران يوم استقلال لبريطانيا لتقرر مستقلة ما يتعلق باللاجئين او ترسيم حدودها وأكد رئيس الوزراء التزامه بإرادة الشعب ونيته العاجلة في الإستقالة.


الديمقراطية في بريطانيا ليست كلمة بل ممارسة وعليه عمل حوالي ٢ مليون مواطن على توقيع عريضة تطالب بإعادة هذا الاستفتاء مطالبين البرلمان باحترام بنود متعلقة بالاستفتاء مثلا أن يكون عدد المشاركين بالتصويت لا يقل عن ٧٥٪‏ من المواطنين المسجلين في القوائم الانتخابية اضافة الى أن يشترط ٦٠٪‏ أصوات لاحتساب قرار سواء لصالح الموضوع المستفتَى أو ضده.
فالفارق في نتائج هذا الاستفتاء ضئيل جدا ونسبة المصوتين لم تصل للمستوى المطلوب. من المتعارف عليه في بريطانيا أنه في حين تقدم اكثر من ١٠٠ الف شخص بعريضة يستوجب على البرلمان دراسة الموضوع فما بالك بعريضة موقعة من مليوني مواطن ؟  إذن علينا ان ننتظر رد البرلمان.
في حال تم تبني نتيجة الاستفتاء، على المملكة المتحدة أن تتقدم رسميا خطيا أو شفويا لطلب الخروج من الإتحاد وفقا للمادة ٥٠ من معاهدة لشبونة ٢٠٠٧ التي تعطي مدة عامين من تاريخ تقديم الطلب للتفاوض على بنود الخروج ما بين الدولة التي تنوي الخروج من جهة ومجلس أوروبا ممثلا عّن أعضاء الإتحاد ال ٢٧ اخذين بعين الاعتبار شكل العلاقة المستقبلية  مع دول الاتحاد.
 في التحليل لا بد من متابعة بعض الحقائق التي لا يستطيع أي طرف تجاهلها في هذه المرحلة:
- هناك٣ ملايين مواطن أوروبي في المملكة المتحدة منهم مليون في مدينة لندن وحدها، لندن هي  قلب أوروبا ليس فقط جغرافيا! وبالمقابل هناك ١،٣ مليون من البريطانيين العاملين في الدول الأوروبية ! كل هولاء سيبقى وضعهم على ما هو عليه و لن يتأثروا في السنتين القادمتين لحين الخروج التام.  
- صوتت إسكتلندا بغالبية عظمى لصالح بقاء المملكة في الإتحاد وهذا ما يدعونا للتنبؤ باستفتاء شعبي ثان في إسكتلندا للخروج من المملكة المتحدة بهدف الاستقلال ومن ثم الانضمام للاتحاد الأوروبي!
- ايرلندا الشمالية ترى مصلحتها ضمن الإتحاد ولا يخفى على أحد أن أهم أسباب نجاح اتفاقية الجمعة العظيمة هو البعد الأوروبي الذي يتمتع به الإيرلنديون وهذا ما يدعونا للتفكير في مستقبل التسوية السلمية حيث أن النسبة التي طالبت ببقاء المملكة المتحدة بالبقاء يمكنها أن تطالب الان بالوحدة مع إيرلندا لا سيما انهم بدأوا بالمطالبة بجنسيات إيرلندية !
- الربيع الجديد: سمعنا أصوات يمينية متطرفة في كل من هولندا وفرنسا تدعو لاستفتاءات شعبية للتصويت على خروج بلادها من الإتحاد وهذا ما يهدد استقرار دول أوروبا جمعاء ويزعزع توازن الاتحاد في حال ظهر ربيع جديد في القارة الأوروبية يدعو لتحرر الشعوب وسيادتها ضمن حدودها الجغرافية بحجة حماية مواطنيها من الإرهاب.
- السوق المشتركة والوضع المالي خاصة تراجع مستوى الجنيه الاسترليني يدعو للتوتر بالرغم من محاولات البنك الانجليزي لطمئنة الجماهير! لا تستطيع بريطانيا أن تزدهر وتنمو اقتصاديا وتوفر ملايين فرص العمل في عالم منعزل عن السوق الحر فهي بالتأكيد أكثر قدرة على توقيع اتفاقيات تجارة حرة مع أمريكا والصين ضمن الاتحاد.  

 

وصف رئيس بلدية لندن السابق بوريس جونسون الأوفر حظا لأخذ مكان كاميرون الان نتيجة الاستفتاء بالفرصة الذهبية لبريطانيا لتتمكن من إصدار القوانين الخاصة بها وتحديد الجمارك ورسم الحدود كما تشاء وكأنها تحررت من احتلال عمل على إدارة شؤون بلادها منذ ١٩٧٥!

في الإجابة عن دوافع الاستفتاء:
ليس لدي شك أن ما حصل هو غلطة عنصرية وليس تكتيك سياسي والذي يدعوني للتفكير بهذه الطريقة هو أن المؤيدين لخروج بريطانيا من الاتحاد يبررون رغبتهم بأن الاتحاد يعرقل تقدم بريطانيا اقتصاديا و ماليا  وسياسيا حيث تعتمد ميزانية الإتحاد على بريطانيا بتقديم ١٨،٧ مليار يورو سنويا!
 ولكن في حقيقة الأمر، لم  تتخلى بريطانيا يوما عن الجنيه الاسترليني في مقابل استخدام اليورو و بالتالي حافظت على استقلاليتها ورمزيتها الاقتصادية. كما أن المملكة المتحدة لم تنضم لمعاهدة شنغن (Schengen) و بقيت تأشيرة الدخول لبريطانيا (Visa) مستقلة و بالتالي بخصوص الحدود فبريطانيا لم تفتح حدودها كما فعلت فرنسا و بلجيكا و ألمانيا. وما يعزز شكي أن الاتحاد الأوروبي وقع في شباط ٢٠١٦ مع بريطانيا اتفاقية لتعديل عضويتها في الإتحاد. ضمن هذا الاتفاق، للمملكة المتحدة  وضع خاص كعضو في الاتحاد واستجاب الاتفاق لتحفظات المفاوضين البريطانيين حول عدد من القضايا منها اللاجئين والمساعدات الاجتماعية وبناء عليه تم تعديل وضع بريطانيا كعضو يتمتع بمرونة عالية وسيادة بما يخص الحدود والاجئين وضمان بقاء لندن مركزا للمال والأعمال الأوروبي والعالمي!
استرتيجيا، الوضع مربك لكل من بريطانيا ودوّل الاتحاد والمراقبين ولكن لا يخفى على أحد أن الوضع سيصب في مصلحة روسيا خاصة أن موسكو تنظر لكل شئ من منظور أنه لعبة محصلتها صفرية فحسابات الكرملين بسيطة: خروج بريطانيا = اتحاد أوروبي أضعف = روسيا أقوى.
يبقى التساؤل هل من المعقول أن الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس تحتمل ظهور الدب الروسي من جديد ولا تحتمل أن تتولى ألمانيا زمام الأمور؟!
ما حصل في بريطانيا سيغير شكل الخارطة السياسية في القارة الأوروبية، لقد حان دور الدول الأوروبية لتمر بتجربة اعادة رسم حدود جديدة كما حصل في الشرق الأوسط ولكن المشروع في أوروبا يستهدف اعادة رسم خارطة النفوذ السياسي وليس اعادة ترسيم حدود جغرافية !

----------------

الاراء الواردة في المقالة تعبر عن وجهة نظر الكاتبة.

آخر تحديث: الاثنين, 27 يونيو 2016 07:49
 

S5 Box

تسجيل الدخول