Sunday March 26, 2017
الرئيسة مقالات عندما تقتل الأم ابنتها غسلاً للعار بقلم: ريما كتانة نزال
PDF
طباعة
إرسال إلى صديق
23
س
عندما تقتل الأم ابنتها غسلاً للعار بقلم: ريما كتانة نزال
الناشر: Samya wazwaz
Share

weman

حُكم على فتاة "يطا" وجنينها بالقتل خنقاً حتى الموت، لكن شبحها سيبقى يدور حول مسرح الجريمة يؤنبنا على صمتنا على الجريمة المزدوجة. وستبقى أنفاسها المكتومة تحوم حول ديارنا تتساءل عن الذنب الذي اقترفته.تستيقظ المدينة المتعبة من احتجاجها واستنكارها وتنديدها لتصدر بياناً أو اثنين، وتطيِّر برقية أو مذكرة قوية ونداء مستغيثاً إلى من يهمه الأمر. يتجمّع بعضنا وحولنا البعض على مقربة من آذان وأسماع من يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن حياتنا وموتنا، مطلقين صرخة جديدة بوجه العدالة المهاجرة، ومن ثم يعود الجميع لممارسة أنشطتهم الروتينية تاركين الشر يتأهب لدخول باب جديد ويزهق روحاً أخرى.تتحول "سحر" ذات الواحد والعشرين ربيعاً إلى خبر صغير ينام في إحدى زوايا الصفحة الإلكترونية، وسحر لمن لا يعرف قصتها، امرأة غادر العقل جسدها ولم يعد لها منذ الولادة، فبقيت أسيرة قصور العقل، بينما كان جسدها ينمو مشكلاً أنوثة غامضة على فهمها القاصر.


مع التقدم القيمي والإنساني في المجتمع أصبحت الأنثى لها لقب ومصطلح، حيث اعتبرها القانون العصري من صاحبات الإعاقة الذهنية والحركية، وهي راضية وقانعة بمسماها الإنساني الحديث رغم انه لم يتحرك لرفع سبابته مدافعاً عنها. "سحر" لا تعرف عن أمرها شيئاً، ومن ضمن ما تجهله حكم القدر تأبيدها طفلة، لا تميّز ولا تدرك، لا تتكلم ولا تعبِّر، لا تشكو ولا تتحرك. ولم تكن تعرف أن إعاقتها ستحولها لتكون عرضة للاستغلال ونهش اللحم، ولم تكن تعرف بأنها ستكون يوماً خبراً صغيراً في الصحف، وأن الخبر الصغير النامي في أحشائها سيوجه لها الضربة القاضية، وأن الأم التي تلوذ بها ستكون من ينزل حكم القتل الثاني بها.
الأم اعترفت بفعلتها الشنيعة، وربما تبرعت بأن تقضي بيدها على الكائن الناقص الذي أنجبته، وربما وافقت أن تكون يد القضاء العائلي الممتدة إلى رقبة الفتاة لتنفيذ الحكم الجائر عقاباً لها على إهمالها.. سنكتشف لاحقاً إنْ كانت قد فكرت في العقوبة التي تنتظرها، أو إنْ فكرت بأنها ستستفيد من العذر المخفف للجرائم المرتكبة دفاعاً عن شرف العائلة، أو أنها أُستغلت في التستر على الجريمة الحقيقية باغتصاب الفتاة المظلومة. على الأرجح أنها فكرت بجميع الاحتمالات، لكني سأفترض أنها لم تفكّر بقدرتها على الاستفادة من القانون الذي وضع خصيصاً للذكور الذين يهبّون عادة لغسل العار وإنقاذ سمعة العائلة والدفاع عن شرفها، دون أن تدري أنها وابنتها ضحيتان لتخلف المجتمع وعاداته الشائنة.
الجاني الحقيقي حر طليق، ارتكب فعلته بجبن ونذالة، وربما ساهم في إصدار حكم الإعدام على الضحية أو كان عالماً بأمرها.. الجاني الحقيقي هو الوحش الآدمي الذي لم يهتم بإعاقة ضحيته، بل اهتم باستغلال جسد الأنثى ليفرغ به أمراضه وانحرافه. لقد اعتبر أن غياب عقل ضحيته ميزة مشجعة لممارسة وحشيته على الكائن الضعيف، ولم يدُر في مخيلته أن الجسد العاجز عن الإدراك، سيكون قادراً على إدراك دورة حياته ووظائفه، ولن يكون بمقدور الإعاقة منعه من القيام بدوره وتقديم برهانه على كمال نظام دورة حياته الناقصة.
ماذا عن موقف المجتمع، هل يفخر ويطلق أفراده النار والزغاريد غسلاً للعار والشرف، وأي شرف ذلك الذي يرتبط بالنساء فقط ويتجاهل ارتباط الأمر بالرجل الذي يباح له كل شيء.. وما الذي تم غسله في حالة فتاة "يطا" وقبلها المرأة المقتولة لحرمانها من الإرث، أو بنزيف دماء ميناس ونانسي وغيرهن اللواتي ستظل قضاياهن وأسماؤهن مجهولة.
وإلى متى يستمر المشرِّع في تجاهل الحالة المتفاقمة لقتل النساء وسكوته عن القانون الذي يحصِّن القاتل ويحميه. وكيف يحتمل ضميره وطأة مقتل فتاة لا تدرك أو تميّز دون أن يتحرك للقيام بواجبه.. وإلى متى تتم قراءة تعويذة الانقسام على رؤوسنا كذريعة لتعطيل صدور القانون أو ما ينوب عنه لحماية النساء من الانكشاف للقتلة.. ألا يشكل سكوتهم تواطؤاً على المرأة وحماية للقتلة.
وهمسة أخيرة، هل سينصف القضاء "سحر" ذات الإعاقة الذهنية والحركية التي لم تعرف الدنيا حتى لحظة مقتلها.. أم أنها ستكون رقماً آخر يُضاف إلى القائمة التي بلغ عددها خمساً وعشرين ضحية قبل انتهاء العام.. وإلى متى سيستمر ربط هكذا نوع من الجرائم بالشرف وغسل العار.. وألستم معي بأن أنفاس ودماء الضحايا تصبغنا بأنواع عديدة من العار: عار الصمت على استمرار الجرائم المرتكبة باسم الدفاع عن الشرف، وعار التخلف واستمرار اعتبار قتل النساء باسم "الشرف"، وعار انكشاف النساء أمام القتلة وبقاء القانون في الثلاجة.

 

آخر تحديث: الاثنين, 23 سبتمبر 2013 06:05
 

S5 Box

تسجيل الدخول